الحرب الناعمة في البعد النفسي
د. علي الحاج حسن
استاذ فلسفة – الجامعة اللبنانية
مقدمة
يقوم جوهر الحرب الناعمة على مباديء عديدة من ابرزها السرية والخفاء في ايجاد ارضية الموارد الناعمة، التخطيط المسبق ، تحديد الاهداف المطلوبة بدقة والاهم من ذلك كله العمل على اساس الجاذبية.
تلعب الجاذبية الدور الاهم والابرز في نجاح الحرب الناعمة ، لا بل هي المعيار والمؤشر الحقيقي لمدى قدرتها للوصول الى الاهداف المرسومة. وعلى هذا ، فالحرب الناعمة تعتمد على مدى انجذاب الفرد والجماعة ومدى الاستجابة عندهما، فكلما تمكنا من تحويل تفضيلات الآخرين وكلما سيطرنا على ما يريدون عند ذلك تكون حربنا الناعمة فاعلة ، ناجحة ومؤثرة.
الحرب الناعمة تحصل من دون ضجيج ، لا يسمع فيها ازيز القذائف ولا اصوات المدافع، ولا تستخدم فيها الاسراب والغارات الجوية . والحرب الناعمة لا تخضع للقوانين والمعاهدات الدولية التي تحكم قواعد الحروب العسكرية ومفاوضات السلام والهدنة...، بل هي حرب اكثر تعقيداً يديرها الخبراء والمتخصصون عن بُعد وثمرتها احتلال العقول والقلوب وتدمير المواقع والقيم السياسية والثقافية عند المستهدفين.
لم يعد مجدياً في الوقت الراهن انكار وجود الحرب الناعمة وتبنيها من قبل جهات وافراد، فهي في احد ابعادها تعود الى الطبع البشري الذي يسعى بكل ما اوتي من قوة على تقديم ما يملك وما ينتج من افكار وقيم وبضاعة على انها الافضل وان ما عداها ليس بهذا المستوى، وهناك الكثيرون ممن يبذلون جهودهم للتدليل على جمال وجذابية وافضلية ما صنعوا. ومع ذلك كله اصبحت الحرب الناعمة مادة تدرس في كلية الدراسات العسكرية لقوات البحرية الامريكية.
دخلت فكرة الحرب الناعمة لتشكل استراتيجية رسمية للادارة الامريكية حملت عنوان " المكافحة الناعمة لحركات التمرد".
• الحرب الناعمة والادراك
تعمل الحرب الناعمة وبشكل مركز على الاحاطة بادراك الانسان وتشكيل وعيه ومعرفته حيث تحيط القدرات الذهنية للشخص بالمقدمات والادلة التي تجعل هذا الوعي واقعاً تحت سيطرتها . وبما ان الجهاز الادراكي للانسان مصمم في تكوينه على الانفعال والشعور بالخطر امام القضايا والتهديدات المحسوسة ، ولان الحرب الناعمة غير مشاهدة بالوسائط المحسوسة، لذلك كانت احاطتها بالذهن والمعرفة وايصال الشخص الى مرحلة الانفعال تقوم على اساس مجموعة من الادوات التي تقدم الدليل تارة وتجمل القبيح تارة اخرى وتهدم ادلة الطرف المقابل تارة ثالثة وكل ذلك على اساس انجذاب الفرد . اذاً الحرب الناعمة تعمل على تشكيل قناعات الآخرين عبر ادواتها ، فإذا ما نجحت في ذلك انتقل الادراك البشري الى ما تقتنع به الجهة التي تشن هذا النوع من الحروب.
ولكي لا نذهب بعيداً ، يمكننا الرجوع الى عبارات ابرز منظري الحرب الناعمة ، اي جوزيف ناي حيث يقول في كتابه "القوة الناعمة" : " ترتكز القوة الناعمة على القدرة على تشكيل تفضيلات الآخرين..." وهذا بحد ذاته يتضمن جوهر الحرب الناعمة ، بمعنى ان الحرب الناعمة تصيب اذا خاطبت الجهاز الادراكي للانسان واوصلته الى مستوى يتشكل على اساسه القناعة والميل والقبول، ويتضمن ايضاً الدلالة على ان من يقوم بالحرب الناعمة، يخطط ويضع البرامج ويُعرف الاهداف التي يريد الوصول اليها ومن هنا يعمل لتشكيل تفضيلات الآخرين.
ثم اردف جوزيف ناي في كتابه المميز متطرقاً الى جوهر وحقيقة هذه الحرب ليقول :"...بل انها تنطوي ايضا على القيادة بالقدوة " . وفي هذه العبارة دلالة واضحة على العمل لتشكيل قناعات الانسان والسيطرة على مدركاته.
ان القدوة سواء كانت شخصاً او فكرة ... تغير وتبدل القناعات لان المستهدف يشعر امامها بالنقص الذي لا بد من بلوغه للوصول الى كمال متصور . مع العلم ان هذا الكمال قد لا يكون كمالاً يحيط بكافة الابعاد الوجودية للانسان ، بل هو كمال في جهة وقد يكون سقوطاً في جهات اخرى.
لقراءة باقي المقال اضغط
PDF
أضيف بتاريخ: 10/07/2015