الإرهاب في السينما العالمية: «مهمة مـستحيلة»

عباس جعفر الحسيني
الأربعاء 3 تشرين الأول 2018



اعتبر V for vendetta بشكل مبالغ فيه، مُلهِماً لما عُرف لاحقاً بثورات الربيع العربي

يقول تيد جب، مؤلف كتاب «الحياة والموت السري في وكالة الاستخبارات المركزية» إنه «على مدار عقود الحرب الباردة، لم تهتم وكالة الـ «سي. آي. أي» بتقديم ما يحسّن صورتها في أفلام هوليوود، بقدر ما كانت تهتم بتقديم صورة مثالية عن الحياة الأميركية. ولكن مع نهاية الحرب الباردة أدركت أنها بحاجة إلى إصلاح شامل لصورتها دولياً.

قبل أن تنشئ وكالة الاستخبارات الأميركية مكتباً للتنسيق بينها وبين هوليوود، تفرغت طوال أربعة وأربعين عاماً من عمر الحرب الباردة ـــ التي نتجت عنها حروب عدة ساخنة في بقاع مختلفة في العالم من الكورية إلى الفيتنامية إلى الأفغانية وما بينها من دول العالم ـــــ لمعاداة الشيوعية في إنتاجها، وفي كل هذه الأفلام التي تجاوزت العشرات، صوّر الاتحاد السوفياتي والشيوعية عموماً كمثال للعدو الإرهابي الذي يجب التيقظ والحذر منه دائماً: كل هذا لإثبات من هي القوة الأكثر تأثيراً والأكبر في العالم.

The Manchurian candidate كان من الأفلام الأولى عام 1962 الذي قام ببطولته فرانك سيناترا وهو مأخوذ من رواية لريتشارد غوندون، يروي قصة سجين حرب سابق تعرض لمؤامرة شيوعية، فأصبح قاتلاً نتيجة لغسل دماغ. هكذا كرت سبحة الأفلام التي تحذر من الشيوعية وخطرها وتنتصر عليها كونها في الواقع لا تستطيع ذلك.

فيلم «روكي الرابع» تزامن مع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى سدة القيادة

حذت السينما البريطانية حذو زميلتها الهوليودية بإنتاج وابتكار شخصية جيمس بوند التي ظهرت إلى السينما أول مرة عام 1954 بعدما صاغ شخصيتها أيان فليمنغ الذي عمل سابقاً في جهاز المخابرات البريطانية، وتركزت ملاحقات بوند على الخطر السوفياتي والشيوعي، وبلغ ذروته وبطولته في فيلم «أضواء النهار الحية» The living daylights. في هذا الفيلم الذي أُنتج عام 1987، بدأ التسويق لرغبة جميع الفنانين والمثقفين الذين يعيشون في منظومة الدول الشيوعية بالهجرة منها والهرب، إذ يعرض مهمة العميل السري جيمس بوند في مساعدة ضابط في جهاز المخابرات السوفياتية برتبة جنرال على الانشقاق خلال مواكبته حفلة موسيقية لبعثة سوفياتية في تشيكوسلوفاكيا. ويذهب الفيلم إلى أنّ المخابرات السوفياتية وضعت عازفة تشانل في الأوركسترا بصفة قناصة لاغتيال الجنرال في حال عزمه على الهرب: طبعاً بوند ينجح في استمالة القناصة وتهريب الجنرال.

توالت سلسلة الأفلام على هذا المنوال، وتطور الأمر وشمل أفلاماً عدة حتى أنّ شخصية المفتش كلوز التي أدى غالبيتها الممثل البريطاني بيتر سلرز في سلسلة أفلام «الفهد الزهري» ـــ وهو مفتش أحمق غير كفء ترتبط تحقيقاته دائماً بالفوضى والتخلف والغباء والخراب ــــ استطاع في أحد أجزاء السلسلة أن يهزم العميل السوفياتي.

فيلم روكي الرابع من سلسلة أفلام الملاكم «روكي بالبوا» هو للممثل سيلفستر ستالون، أُنتج عام 1985 مترافقاً مع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى سدة القيادة في الاتحاد السوفياتي مطلقاً سياسة الانهيار بعناوين «البيريسترويكا» أي إعادة البناء و«الغلاسنوست» أي الشفافية. في هذا الفيلم، يقتل الملاكم الروسي الذي يبلغ طوله ستة أقدام ونصف بوزن 261 كيلوغراماً. صديق «روكي» الملاكم «ابوللو كريد» يفارق الروح بين يديه، فيقرر «روكي» تلبية دعوة الملاكم الروسي «دراجو» للمنازلة في موسكو عشية عيد الميلاد لما لهذا الاحتفال من دلالة رمزية. صناع الفيلم لم ينتبهوا إلى أنّ الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا تحتفل بعيد الميلاد في السادس من كانون الثاني (يناير) على عكس الولايات المتحدة وغيرها.

الرموز الأخرى في الفيلم كانت في غالبيتها مهمة وإن حملت الكثير من الغباء والاستغباء للمشاهد. لكن الرسالة الأهم وصلت: «سنهزم الاتحاد السوفياتي». في مونتاج زاخر بالرمزية، يتدرب روكي في كابينة نائية في سيبيريا بمساعدة مدربه القديم ونسيبه، حيث يمارس تمارين تقطيع الخشب، ورفع الصخور، والركض في الثلوج وتسلق الجبال، في حين أنّ الملاكم الروسي «دراغو» يتدرب في منشأة متقدمة تعمل على المطاحن باستخدام آلات رفع الأثقال وحقن المنشطات لتعزيز قوته.

خلال المباراة، يتلقى «روكي» أسوأ اللكمات في حياته لكنه يرفض السقوط. ومن دون أسباب مقنعة، يهزم روكي الملاكم الروسي «الفحل» في عقر داره، فيقف بعد تردد أعضاء الحزب الشيوعي السوفياتي تصفيقاً له فيما روكي يرفع علم الولايات المتحدة الأميركية في قلب الحلبة.

إذا كان هذا الفيلم رؤية مسبقة لهزيمة الاتحاد السوفياتي في عقر داره ــ وقد انهزم وتفكك لاحقاً ــ فقد بدأ البحث في السينما العالمية كحال السياسة العالمية عن إرهاب جديد في العالم. ومع ذلك أخذت السينما تفخر بإنجزاتها بهزيمة الشيوعية مع إقرار بشكل واضح وهازئ وتشفٍّ بهذه الهزيمة، فكان فيلم Air force one أو «طائرة الرئيس الأولى».


في فيلم «داي هارد 4»، تواجه الولايات المتحدة هجمة «إرهابية» اناركية

أنتج الفيلم عام 1997 ليظهر زيارة للرئيس الأميركي، الذي أدى دوره الممثل الأميركي هاريسون فورد، إلى موسكو بعد ثلاثة أسابيع من عملية عسكرية مشتركة للقوات الخاصة الأميركية، حيث تم القبض على زعيم إرهابي بحسب الفيلم. والإرهاب عبارة عن زعيم روسي متشدد معارض لسيطرة الولايات المتحدة على روسيا وبلاد السوفيات السابقة، أسماه الفيلم الجنرال «ايفان راديك» مع ما يثيره في الذاكرة اسم إيفان نسبة إلى «إيفان الرهيب» قيصر روسيا في القرن السادس عشر.

في الفيلم، يتسلل عدد من القوميين السوفيات أو الروس بقيادة «كورشينوف» إلى الطائرة الرئاسية الأميركية قبل إقلاعها من مطار موسكو بعد أن يسهل لهم المهمة أحد أفراد الطاقم الأميركي، لتتم السيطرة على الطائرة واختطافها بهدف المطالبة بإطلاق سراح «راديك». تدور عندها السيناريوهات المعتادة في أفلام مماثلة، حيث يواجه الرئيس بشخصه المجموعة الخاطفة ويقضي عليهم. رمزية الفيلم المبكية المؤسفة في آن كانت عندما قام «كورشينوف» بسحق رأس الرئيس الأميركي تحدت قدمه. وفيما الرئيس الأميركي يسأله عن سبب أفعالهم، يجيب كورشينوف: «لقد حولتم روسيا إلى مرتع للمافيا والفساد وبناتنا إلى عاهرات في أسواق العالم... نريد أن نستعيد قوتنا وعزتنا». هذه الجملة بما تحمله من إقرار بالهزيمة فعل تشفٍّ من جانب الأميركيين الذين لم يتورع رئيسهم آنذاك بيل كلينتون عن مشاهدة الفيلم مبدياً إعجابه به مرتين.

قبل أحداث 11/09/2001 وما تلاها من غزو أفغانستان والعراق، سيطر الإسلام والمسلمون والإسلاميون على واجهة الإرهاب في السينما الأميركية. أطل علينا فيلم «الحصار» The Siege، عام 1998 بطولة دنزل واشنطن، حيث تلاحق الاستخبارات الأميركية أحد القادة الإسلاميين وتعتقله بعد اتهامه بأنه وراء تفجير ثكنة أميركية في إحدى القواعد الأميركية في السعودية. يكشف الفيلم أنه تم اختطافه ولم تتم محاكمته، ما يعني أن المخابرات قامت بتصرف غير قانوني. وهنا تنتقل القصة إلى أميركا، وتحديداً نيوريوك، حيث ينتشر أتباع هذا القائد الإسلامي في أحد أحياء نيويورك ويقومون بسلسلة عمليات تفجيرية.

ثم جاء فيلم «قواعد الاشتباك» (2000) Rules of Engagement حيث يتظاهر اليمنيون أمام السفارة الأميركية اعتراضاً على الوجود الأميركي في المنطقة، فيقوم المارينز الأميركي بقتل 83 شخصاً من المتظاهرين، وتبدأ المباحث الفيدرالية بالتحقيق في الأمر: يتضح في النهاية أن سبب قتل هؤلاء أنهم أطلقوا النار على جنود المارينز، فكان من واجب الجنود الدفاع عن أنفسهم أمام «وحشية وهمجية» اليمنيين.

بعدها، جاء فيلم «المملكة» (2007) The Kingdom حول فريق من الـ «أف. بي. آي»، يتم إرساله للسعودية من أجل التحقيق في تفجيرات الرياض عام 2003. يتعرض الفريق لهجوم إرهابي يقوده «أبو حمزة»، وتدور بعدها حرب شرسة بين جماعة «أبي حمزة» من جهة، وفريق الـ «أف. بي. آي» والأمن السعودي من جهة أخرى.

احتلال العراق كان أيضاً مادة خصبة لتبرير الاحتلال من وجهة نظر هوليوود: فيلم «خزانة الألم» (إنتاج عام 2009) يتناول قصة فرقة لمعالجة القنابل والألغام مكونة من ثلاثة جنود أميركيين يرسلون إلى العراق حيث تواجههم التحديات نتيجة المقاومة لوجود القوات الأميركية في هذا البلد، وكذلك فيلم «٣٠ دقيقة بعد منتصف الليل» (إنتاج عام 2012 ) Zero Dark Thirty، الذي يؤرخ للجهود الأميركية لاعتقال أو قتل أسامة بن لادن.

فيلم «يوم الوطنيين» Patriots Day، الذي يزعم أنه يستند إلى واقعة حقيقية، يرتكز إلى وجهة نظر مفوّض شرطة بوسطن في ما يتعلق بالأحداث التي أدت لتفجير ماراثون بوسطن عام 2013، وتوابع هذا الحدث التي شملت مطاردة في جميع أنحاء البلاد للعثور على الإرهابيين الإسلاميين. في الفيلم، يلفت مشهد عميلة الاستخبارات الأميركية المتخصصة في «الإرهاب الإسلامي» التي تحقق مع زوجة المتهم بأسلوب متقن ومستفز وهي ترتدي الحجاب. وحالما تنهي مهمتها، تخرج من الغرفة وتخلع الحجاب.

لا يتسع المجال لعرض الأفلام التي حاكت معاداة الشيوعية سابقاً ثم الإسلام والعرب لاحقاً، قبل أن تستيقظ السينما على الاناركيين الفوضويين الدوليين. ولعل هذا الاستيقاظ سببه فيلم «في لأجل الحرية» أو V for vendetta. تدور أحداث الفيلم (إنتاج عام 2006) في مجتمع ديستوبيا مستقبلي قريب. يتحدث عن «ڤي» الشخص الغامض المقنع الذي يسعى إلى تغيير الواقع السياسي في الدولة و للثأر. في عام 2038، تصبح بريطانيا دولة شمولية يحكمها حزب يميني متطرف، ويتخذ «في» من تاريخ 5 تشرين الثاني (نوفمبر) موعداً هاماً بحيث يتم تفجير المحكمة الجنائية المركزية. يتم اتخاذ التاريخ نفسه بعد سنة من الحدث الأول كميعاد لتفجير قصر وستمنستر. يستمد الفيلم رمزية هذا التاريخ من أحداث حقيقية لمحاولة الانقلاب على الملك جيمس الأول بواسطة مجموعة من المتمردين أشهرهم جاي فوكس الذي يرتدي بطل الفيلم قناعه معظم الوقت.

اعتبر الفيلم بشكل مبالغ فيه، ملهماً لما عرف لاحقاً بثورات الربيع العربي: ثوار الربيع المصري أصروا وما زالوا على التشبه بـ«في» فيما انتشر «المجهولون» حول العالم في عالم الهاكر الالكتروني وبعض التظاهرات وهم يرتدون قناع «في». الملفت للسخرية أن القنوات العربية الخليجية تحذف المقطع الذي يتغنى فيه المذيع المعارض في الفيلم أمام بطلة الفيلم «ايمي» بالقرآن الكريم حيث يقول: «إنه أهم كلام عرفته البشرية». فهل لهذه الأسباب وغيرها توجهت السينما اليوم نحو الأناركيين كما يظهر بشكل واضح في فيلم «داي هارد 4» أو «موت قاس» (إنتاج عام 2007) حيث تواجه الولايات المتحدة الأميركية في هذا الفيلم هجمة «إرهابية» اناركية، لكن من نوع عصري في يوم استقلالها الموافق 4 يوليو؟ يبدأ الهجوم بتعطيل إشارات المرور، ما يسبب زحمة خانقة، وتقرر المجموعة الاناركية (يؤدي دور قائدها الممثل تيموثي أوليفانت القليل الظهور حيث أجاد في دور القائد الاناركي بشكل ممتاز) مهاجمة شبكة الأنظمة التي تتحكم بالبنى التحتية للولايات المتحدة، لتضع البلاد ومن ثم العالم في شلل تام. بعد إشارات المرور، يقومون بتعطيل شبكة البنوك، فتتعطل معها أجهزة الصرف الآلي، ثم يهاجمون شبكة السوق المالي فيصاب الاقتصاد الأميركي بالهبوط، قبل أن يتمكن المخلص بروس ويليس من القضاء عليهم.

The Manchurian candidate الذي أدى بطولته فرانك سيناترا، يروي قصة سجين حرب سابق تعرض لمؤامرة شيوعية، فأصبح قاتلاً نتيجة لغسل دماغ

هكذا تسير السينما العالمية في مهمة بحث مستحيلة عن إرهابيين جدد، لتجد ضالتها في الأناركيين وتستقر عليهم في الفيلم الأخير «مهمة مستحيلة: سقوط» (إنتاج العام الحالي). حصد الفيلم إشادة كبيرة من النقاد الذين مدحوا التصوير والقصة والتمثيل ومشاهد الحركة والمجازفات والموسيقى التصويرية. وصفه كثيرون بأفضل أجزاء السلسلة، والبعض عدّوه من أفضل أفلام الحركة على الإطلاق. يعتبر الفيلم مهزلة من النواحي كافة: فعدا عن أن الأناركيين «المجانين» يسعون إلى تدمير العالم لاستيلاد آخر جديد أفضل، في استعارة لمقولة باكونين «إن الولع بالهدم ولع خلاق»، فقد بدا الفيلم غبياً في محاكاته للمطاردة والقفز وتسلق الجبال من ممثل هو توم كروز لطالما «اتهم» بنعومة فائقة في الوسط الهوليوودي يسعى إلى نبذها. رغم كل هذه المطاردات، فإننا لا نرى عرقه يتصبب مع خصل من شعره الذي بقي مرتباً طوال الركض والنط في الفيلم.

فهل استنفدت السينما العالمية إرهابييها حتى حطت رحالها عند الأناركيين الذين دعاهم V في فيلمه إلى العنف الثوري، فلجأوا إلى رمي البيض والبندورة واحتلال بعض المراكز سلمياً حتى أصبحوا هم الإرهاب المنتظر في نظر السينما التائهة في مهمة مستحيلة؟

* روائي وباحث ـ آخر أعماله رواية «٢٦ ساعة بنك أوف أميركا».
المصدر: جريدة الأخبار

أضيف بتاريخ: 11/10/2018