مقالات داخليّة

الدفاع الذكي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الدفاع الذكيّ[1]

ترجمة الدكتور علي الحاج حسن

 

يُطرح الدفاع في مقابل الحرب والتهديد؛ ويُستخدم نوع خاصّ من الدفاع انطلاقًا من ماهيّة ونوع التهديد. عندما يلجأ العدوّ إلى استراتيجيّة الحرب الصلبة، تكون الأولويّة لإستراتيجيّة الدفاع الصلب، وعندما يلجأ إلى استراتيجيّة الحرب الناعمة، فستكون استراتيجيّة دفاعنا هي الناعمة.

بناءً على ما تقدّم، وبعد الأخذ بعين الاعتبار التحوّلات الدوليّة وتغيير توجهات العدوّ الهجوميّة من الحروب التقليديّة إلى الحروب الحديثة، ومن الحرب الصلبة والناعمة إلى الحرب الذكية، فمن الطبيعيّ أن يكون الاتّجاه الدفاعي السائد هو "الدفاع الذكيّ". من هنا، وبناءً على أهميّة الدفاع الذكيّ، سنعمد في ما يأتي إلى شرح مفهوم الدفاع الذكيّ بعيدًا عن توضيح "الدفاع الصلب" و"الدفاع الناعم" (بسبب وضوح ماهيّتهما).

الدفاع الذكيّ هو مفهوم مركّب من كلمتين "الدفاع" و"الذكيّ". الدفاع من دفع وتعني حماية الشخص، دفع الأذى والسوء عن نفسه وعن الآخرين، حماية الوطن والشرف والحقوق من العدوّ (عميد، 1362: 501). وبعبارة أخرى، الدفاع عمل يمكن بواسطته دفع الأخطار الموجّهة للاعب، سواء أكان بلدًا أو فردًا بواسطة القوّة، والشخص الذكيّ هو الذي يتوسّل الفكر والعلم والتخطيط للقيام بأعماله، ويمتلك إمكانيّات تقييم وتصحيح إجراءاته.

الدفاع الذكيّ عبارة عن التدابير والإجراءات المتّخذة بهدف إحلال الأمن والهدوء في المجتمع ومقاومة الحملات العسكريّة والأمنيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. وبعبارة أخرى، الدفاع الذكيّ تركيب من أدوات ونماذج الدفاع الناعم مع نماذج الدفاع الصلب، مستعينًا ببعض المكوّنات؛ كالتعقّل والبصيرة ووعي البيئة المحيطة، بالإضافة إلى سرعة ردّة الفعل مع مرونة عالية تؤدّي إلى فشل إجراءات العدوّ.

إنّ الدفاع الذكيّ، باعتباره واحدًا من الأهداف المحوريّة والأولويّات الحياتيّة لحلف الناتو، قد طُرح من قِبَل الأمين العامّ لهذا الحلف في مؤتمر الأمن الرابع في شهر شباط عام 2011 في ميونخ تحت عنوان "بناء الأمن في عام التقشّف". وقد أوضح راسموسن أنّ هذا الاتّجاه هو اتّجاه خاصّ يضمن أكبر مقدار من الأمن، بكلفة أقل، عمل جماعيّ مرن، وفي النهاية التعاون مع الآخرين بهدف التجميع والمشاركة في المصادر، ولذلك يتمكّن أعضاء الناتو ومن خلال المشاركة الجمعيّة (توحيد المصادر)، من إيجاد المؤهلات وإزالة الشرخ المستمر بين الاحتياجات والمؤهلات؛ فيكون هدف الدفاع الذكيّ أكثر تأثيرًا وفعالية، ومرونة .

إنّ ترشيد الإنفاق يعني تعيين الأولويّات، والتخصّص والبحث عن حلول متعدّدة الجنسيّات، الدفاع الذكيّ هو أن نكون معًا. يعتمد الدفاع الذكيّ على استطلاع مشخّص -ليس كليًّا وغير متمايز- للاحتياجات الحياتيّة، وزيادة التعاون الدفاعي وتوسّع مؤهلات حلف الناتو، بالاستفادة من المناهج المبتكرة متعدّدة الجنسيّات؛ غير المبعثرة والداخليّة. ويُبنى الدفاع الذكيّ على الاستفادة من أدوات القوّة الناعمة والصلبة (متقى وﭘازن، 1391، 78).

تجدر الإشارة إلى أنّه على الرغم من استخدام أمريكا والدول الأعضاء في حلف الناتو مصطلح الدفاع الذكيّ، لكن الحقيقة هي أنهم اختاروا استراتيجيّة الحرب الذكيّة. ويمكن مشاهدة هذا الأمر في السلوكيّات والأعمال والاستراتيجيّات المُعتَمدة من قِبلهم للسيطرة على العالم (الحرب المباشرة على أفغانستان والعراق، والحرب بالإنابة في سوريا والعراق واليمن وليبيا... وتوسيع دائرة النفوذ في شرق أوروبا (أوكرانيا)).

يُبنى الدفاع الذكيّ على أساس معرفة الاستراتيجيّات، والتكتيكات والقدرات، سواء التي هي بالقوّة أو بالفعل، وأساليب الهجوم وأهداف العدوّ؛ ليتمكّن من تشخيص ومعرفة إجراءات العدوّ غير المرتقبة، وبالاستفادة من أجهزة القوّة الذكيّة والمصادر الناعمة والصلبة في قالب استراتيجيّات عامّة وسائدة، فيصرف العدوّ نظره عن التفكير بالهجوم، ومن دون أن يسقط البلد في حرب استنزافيّة. وبالتالي، تتمّ صيانة الشعب والأيديولوجيّات من التهديدات، سواء التي هي بالقوّة أو بالفعل.

يصبح الدفاع الناعم، في هذه الحال، مكمّلًا للدفاع الصلب، ويؤدّي عدم الاهتمام بالدفاع الناعم إلى إضعاف الدفاع الصلب، وبالتالي إضعاف الاستراتيجيّة الدفاعيّة بشكل محسوس، والعكس صحيح؛ إذ أنّ عدم الاهتمام بالدفاع الصلب وتحديث التكنولوجيّات العسكريّة الحديثة، وتجهيز القوّات المسلّحة بها، قد يؤدّي إلى تضعيفنا في الأهداف الاستراتيجيّة وفي استخدام الدفاع الذكيّ لمواجهة الهجوم الذكيّ للعدوّ. الدفاع الذكيّ عبارة عن إيجاد مخطّط استراتيجيّ عمليّ يعتمد على المصادر والأدوات الحديثة في المجالين الصلب والناعم وتناظرهما للحؤول دون تسلّط العدوّ في القرن الجديد.

يجب الالتفات إلى أنّه عندما يجري الحديث عن الدفاع الذكيّ، يتبادر إلى الذهن من كلمة الدفاع معنى متأخّر؛ بمعنى أنّ الدفاع يحصل في مقابل الحرب. لذلك، فإنّ مفهوم الدفاع الذكيّ يحمل قبله مفهم الحرب الذكيّة، (الدفاع الذكيّ متأخّر عن الحرب الذكيّة). وتصدق العلاقة نفسها حول القوّة الذكيّة والحرب الذكيّة؛ أي أنّ مبنى الحرب الذكيّة ينشأ من نوع خاصّ للقوّة يُعْرف بالقوّة الذكيّة طبق مواصفات خاصّة تجعل من إمكان هكذا أمر واقعيًّا (الحرب الذكيّة متأخّرة عن القوّة الذكيّة).

 


[1]  مترجم من كتاب "دفاع هوشمند در انديشه امام خامنه اى (مد ظله العالى)"، تأليف رحمان لطفى مرزناكى، انتشارات آواى ىسبحان، 1394 ه.ش [2016م]

أضيف بتاريخ: 20/11/2023