مقالات داخليّة

الصوم.. في بُعديه الفردي والاجتماعي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الصوم.. في بُعديه الفردي والاجتماعي

السيد حسين قشاقش

 

عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله خَطَبَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ:" أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اللَّهِ بِالْبَرَكَةِ والرَّحْمَةِ والْمَغْفِرَةِ.." ثم تلا خطبة من أروع الخطب وتُعرف اليوم بخطبة استقبال شهر رمضان المبارك، والتأمّل في هذه الخطبة الشريفة يفتح لنا أبوابًا مهمّة حول شهر رمضان، وما يحويه من منظومة قيَم اسلاميّة اجتماعيّة معنويّة وروحيّة.

فالرسول صلّى الله عليه وآله يتحدّث في هذه الخطبة عن سلوكين متكاملين للفرد المؤمن، سلوك فرديّ يتناول العلاقة بين الفرد وربّه تعالى، وسلوك اجتماعي يتناول العلاقة بين الفرد والمجتمع.

فمن الحيثيّة الأولى نجد أنّ شهر رمضان يشكّل فرصة استثنائيّة في حياة الإنسان الساعي نحو رضا الله تعالى وطلب رحمته وغفرانه، حيث يجهد الإنسان في طلب المغفرة والتوبة في أيّام السنة، إلّا أنّ شهر رمضان فيه من الخصائص والمزايا ما يجعل منه شهر الفرصة الثمينة، فالرسول صلّى الله عليه وآله يصفه بأنّه أفضل الشهور على الإطلاق بل كلّ جزء زمانيّ منه سواء في الليل أو النهار هو أفضل من باقي الأزمنة في غير شهر رمضان. وهذا يعني أنّ البركة الزمانيّة قد حلّت في دار الإنسان المذنب والخاطئ.

كما يخبرنا النبي صلّى الله عليه وآله بأنّه شهر دعينا فيه إلى ضيافة الله، وجُعلنا فيه من أهل كرامة الله، ومن المعلوم أنّ للضيف حقّ على المضيف بإكرامه وتعزيزه، واليوم نحلّ ضيوفًا عند القادر المطلق والرازق المطلق والغنيّ المطلق، فلا مجال للبخل أو النقص في ساحته، فكيف ستكون ضيافته لنا يا ترى؟ وكيف سينعكس علينا آثار جعلنا من أهل كرامته ويا له من مقام.

ثمّ تظهر لنا بعض الآثار البسيطة لهذه الضيافة، حيث جعل الله تلك الأنفاس المستدامة والتي يضطرّ إليها الإنسان للبقاء على قيد الحياة أي لمصلحته الذاتيّة، جعل تلك الأنفاس تسبيحًا في خزانة أعمال المؤمن، بل حتّى النوم الذي يطلبه الإنسان لراحته، صار في هذا الشهر محسوبًا من العبادة! فكيف إذا صلّى العبد صلاة مستحبّة، فما هو الأجر يا تُرى؟

ثمّ يلفت النبي ص إلى أنّه قد يحتمل عدم شمول تلك الرحمة الإلهية لبعض الناس، فوصفهم بالأشقياء، إذ أنّ هذه الرحمة الواسعة والبركة المغدقة ستشمل كثيرين من العاصين والمذنبين الجادّين للتوبة والإنابة، أمّا من يخرج منها فهو حتمًا شقيّ أعمى الله بصيرته وباع آخرته بدنياه وبثمن بخس.

كما يخبرنا الرسول صلّى الله عليه وآله أنّ فرصة شهر رمضان فيها إبعاد للعناصر الخبيثة عن ميدان الصراع، فتمّ تحييد الشياطين فهي مغلولة، كما تمّ إغلاق أبواب النيران فهي مقفلة، بالمقابل فتح الله أبواب جنانه ورحمته على مصراعيها شرط أن لا يخطئ الإنسان الحساب ويستنزل بنفسه العقاب.

أمّا علاقة الإنسان بربّه فتختصر بالعمل الصالح والله وعد القبول، والتوجّه إلى الله بالدعاء وقد وعد الاستجابة، وصدق النيّة وطهارة القلب للتوفيق في أداء فريضة الصيام والإشتغال بتلاوة القرآن، وحفظ اللسان والبصر والسمع عمّا حرّم الله، وإقامة الفرائض الواجبة، والصلوات المستحبّة، والاستغفار وطول السجود، والتوبة، وذكر الصلاة على محمد وآله.

أمّا الحيثيّة الاجتماعيّة وعلاقة الإنسان بمحيطه الاجتماعي فقد حظي بحصّة كبيرة ومهمّة من هذه الخطبة المباركة، ابتداءً بالصدقة على الفقراء والمساكين إذ لو التزم المسلمون هذه الصدقة لشاع جوّ عام من التكافل الاجتماعي يرفع الحاجة عن كاهل هؤلاء الفقراء.

توقير الكبير واحترامه من القيَم الاجتماعيّة الهامّة التي طرحتها الخطبة، ولم يغفل عن ذكر الصغار أيضًا بالرحمة والرأفة، وصلة الأرحام حيث لهم حقّ على الفرد، وقد حذّر الله تعالى أن من يقطع رحمه في هذا الشهر يقطع الله عنه رحمته، وأي عقاب أصعب من هذا!

هذا، وكان للأيتام إشارة جميلة تشكّل سنّة إلهيّة تكوينيّة، فإذا أردت أن يتحنّن الناس إلى أيتامك بعد مماتك، فما عليك إلا أن تبادر في التحنّن على أيتام الناس خصوصًا في هذا الشهر.

ومن جهة أخرى كان للإطعام جائزة خاصّة أيضًا، فتفطيرك المؤمن يقابله غفران كلّ ذنوبك، ويكفي لدفع خطر نار جهنّم التقرّب إلى الله بتفطير المؤمن شربة من الماء أو شقّ تمرة، نعم إلى هذا الحدّ.

وفي التعامل مع النّاس، حثّ الرسول صلّى الله عليه وآله المؤمن على الاستفادة من هذا الشهر في تحسين خُلُقه، فالجسد متعب والشهوات خامدة، فالفرصة مؤاتيّة لتحسين الخلُق مستفيدًا من صفاء الروح والقلب. وأمّا من كانت له سلطة على الآخرين فليخفّف عنهم وليكفّ شرّه، فله مقابل ذلك وعد بتخفيف حسابه وكفّ غضب الله عنه.

 فينبغي للمؤمن في شهر رمضان أن لا يقتصر على البُعد الفردي في العلاقة مع الله تعالى بل يعطي اهتمامًا كافيًا للبُعد الاجتماعي أيضًا.

وأن يسعى الإنسان جهده أن يستثمر ويغتنم كلّ لحظة من لحظات هذا الشهر المبارك عسى أن يكون هذا الشهر مفتاحًا للنجاة يوم القيامة.

 

والحمد لله ربِّ العالمين

أضيف بتاريخ: 02/04/2024