مقالات عامة

سلاح ذو حدين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

سلاح ذو حدين

الشيخ حسن أحمد الهادي

 

ونحن نعيش في عصر الحداثة؛ حيث احتلّت التكنولوجيا موقعًا أساسًا في حياة الناس الفرديّة والاجتماعيّة والعمليّة، لم يعد بالإمكان أن نبتعد عن وسائل التواصل الاجتماعي، أو أن ندّعي عدم التأثّر بها؛ لأنّ أهداف التشكّل الاجتماعيّ البشريّ قد تحقّقت من خلالها. فالإنسان كائنٌ اجتماعيّ يميل إلى التشكّل مع الأفراد الآخرين، وقد استطاع من خلال وسائل الاتصال والتواصل أن ينقل مُراده إليهم، وأن يُشاركهم الأفكار والاحتياجات.

لهذا ينبغي النظر بموضوعيّة -على المستويين التربويّ والاجتماعيّ- إلى هذا التطوّر التكنولوجيّ الهادر والسريع، والتفكير الجدّي بالاستفادة الإيجابيّة الفاعلة من مختلف وسائل الاتصال والتواصل، وغيرهما من التقنيَّات الحديثة التي تصبّ في خدمة البشريّة. ولا بدّ من اقتحام هذا العالم من منطلق المراعاة لأسرنا ومجتمعاتنا، بدل من أن نتفرّغ لمُعالجة آثاره ومُواجهتها أو توجيهها، أو الضغط على الناس والمُجتمع لتجنّبه. والحلّ الأسلم والأصحّ إنّما يكون في التوجيه الاجتماعيّ، والتحصين الأخلاقيّ والتربويّ، إلى جانب التفقّه في أحكام التواصل الاجتماعيّ، حتى نُساعد شبابنا الغارق في أمواج السوشيال ميديا المتلاطمة بمُختَلف الوسائل والتقنيَّات؛ لأنّه على الرغم من أهميّة هذه الوسائل في تحقيق الكينونة الاجتماعيّة للأفراد، وتطوير أشكال الاتّصال والتواصل في الحياة البشريّة، فإنّ مُشاركة أيّ فرد في فتح حساب على مواقع التواصل الاجتماعيّ تجعله عُضوًا تلقائيًّا في دعم البنية التحتيّة للمجتمع العالميّ الجديد.

هنا يأتي السؤال الكبير عن القواعد والضوابط التي تحكم طبيعة هذه العضويّة الاجتماعيّة الجديدة من حيث الانتماء والهويَّة والدور والوظيفة؟!

ثمَّة أهداف مسكونة في ذهن الآباء المؤسّسين يُريدون تحقيقها، ويسعون إلى ذلك؛ فالذي عمل على إنشاء وسائل التواصل الاجتماعيّ لم ينظر فقط إلى «كيف؟» بل كان في ذهنه سؤال: «لِمَ؟».

وللقيّمين على هذه الوسائل نوعان من الأهداف: أهداف ثابتة، وأخرى مُتحرّكة ومرنة، يطوّرون نظرتهم إليها في ضوء كثير من المعطيات والوقائع، ويعدّلون فيها، ويُبَرمجونها، ويُصمّمونها بما يتلاءم مع خِدمة أهدافهم الجديدة. وفي الحقيقة إنّ هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى محيط حضاريّ، وفلسفة حياتيّة خاصّة لعبت دورًا في تصميم تلك الوسائل، وهندستها، وبرمجتها بكيفيَّة خاصّة؛ إذ إنّ سلوك الإنسان وليد أنماط تفكيره ورؤيته عن الحياة، ومهما بالغوا في التقنيَّة وتوغّلوا فيها فلن يستطيعوا عزل DNA عالم الأفكار عن أن يصبغ عالم الأشياء.

صحيح أنّ الأجهزة الأمريكيّة أنشأت هذه الوسائل في البدايات لأغراض عسكريّة وأمنيّة بهدف قيادة العالم والتحكّم به والسيطرة عليه، وأنّ هذه الوسائل انطلقت من فلسفة خاصّة تكمن في الشعور الأمريكيّ بضرورة التفوّق عبر فائض القوّة بأشكالها المختلفة. لكن مع مرور الوقت تطوّرت الأهداف، وتمدّدت هذه الوسائل خارج الإطار الأمنيّ والعسكريّ، ليصبح لها أهداف ثقافيّة، واجتماعيّة، في مختلف المجالات.

 إنّ استخدام الناشطين لهذه المواقع من خلال عرض آرائهم وعواطفهم ومشاعرهم، يخدم الأهداف الأمريكيّة في بناء بنك معلومات عن أنماط شخصيّاتهم، وخصوصيّاتهم، وعلاقاتهم الاجتماعيّة، ورصد مشاكلهم الداخليّة، واكتشاف نقاط ضَعفهم، ومن ثمّ توظيف هذه المعطيات والبناء عليها، والتسلّل منها لتحقيق غاياتهم المرجوّة؛ الثقافيّة، والسياسيّة، والأمنيّة، والاقتصاديّة والإعلاميّة.

كما بات من الواضح أنّ التحوّل في الآلات والوسائل لا يقتصر على الفضاء التقنيّ والشكليّ، بل يتعداه إلى إحداث تحوّل في بنية الحياة الإنسانيّة، وشكل الحضارة البشرية، ونظمها، وقيمها، وأفكارها، وعلومها، وفلسفاتها، فثمّة آثار وبصمات تتركها هذه الوسائل على شخصيّة المُستخدِم وإن لم تكن مقصودة له أو للمؤسّسين، لكنّها ترتّبت على تراكم استخدامها؛ كترتّب المعلول على علّته. والأعراض الجانبيّة لاستخدام هذه الوسائل تتراكم تدريجيًّا في المحتوى الداخليّ للشخصيّة، وتؤثّر فيه وتتفاعل داخله حتى تطفو على السطح فجأة؛ مثلًا: عندما يصمّم مؤسّسو فيسبوك هذه الوسيلة بوضع خيار إضافة صديق بنحو تشمل الصداقة الذكرَ والأنثى، ثم ينشط الشخص المتديّن على موقع فيسبوك، ويضيف إلى قائمة الأصدقاء الخاصّين به شخصًا من الجنس الآخر، ويطلق عليه بكلّ أريحيّة اسم صديقي أو صديقتي، ثم تمتدّ دائرة استخدام هذا المصطلح إلى الخطاب العامّ في المحاورة بين الطرفين، فهذا له تداعياته النفسيّة في الخطاب وأدبيّات العلاقة بين الجنسين وقيمها، حيث يؤدّي في مكان ما إلى كسر العديد من الحواجز التي ترسمها ضوابط المجتمع الفيزيقيّ وأعرافه وقيمه، بنحو تصبح الصداقة الاجتماعيّة بين الجنسين أمرًا مقبولًا، إضافة إلى تجاوز الحدود المادّيّة جغرافيًّا وزمانيًّا. ويُضاف إلى ذلك – أيضًا- النماذج المتعلّقة بالإيموجي أو الرموز التعبيريّة أو الصور الرمزيّة؛ حيث يتمّ إرسال قلب ينبض مثلًا أو وجه مع قُبلة... وغيرها من الرموز التي تتضمّن معانٍ ودلالات تؤثّر في طبيعة العلاقة بين الطرفين؛ لأنّ الإنسان بطبيعته ينفعل مع الرموز، ويتأثّر بها، وتترك بصمتها على نفسيّته وعواطفه وتكوين شخصيّته.

 

الآثار النفسيّة والإيديولوجيّة لوسائل التواصل:

عزّزت وسائل التواصل الاجتماعيّ النزعة الفرديّة في هذا العالم الجديد، حين أتاحت لكلّ فرد أن يكون له صوته الخاصّ الذي يعرض من خلاله أفكاره ووجهات نظره، فيشعر حينها بأنّه عنصر فاعل ومؤثر في البنيّة الاجتماعيّة العالميّة ومشكلاتها وتحدّياتها.

كما عزّزت هذه الوسائل دمقرطة الاتصال من خلال الشعور بقوّة حضور الأنا؛ لأنّها أخرجت آليّات التعبير من أَسر السلطة واستئثارها بحقّ الكلام، ووضعتها بين أيدي الناس جميعًا؛ حيث وجد الفرد "الإنترنتيّ" نفسه مع النخبة وجهًا لوجه ورأسًا لرأس، بل قد يفوقها حضورًا في هذا الفضاء العموميّ، فهو شخص صاحب رأي وموقف، يُجادل ويناقش ويعلّق بحرّيّة، فبرزت صورته الفرديّة، وتضخّمت معها قوّة حضور الأنا والنرجسيّة وتضخّم الذات.

إنَّ الفرد الرقميّ الذي يترعرع في ظلّ هكذا مناخ يمارس فيه الدمقرطة بكافة أشكالها، لن يبقى الأثر السيكولوجيّ لتغيّره مقتصرًا على خصوص المشاركة في الفضاء الرقميّ، بل ستصبح هذه الخصائص جزءًا من هويّته وتركيبته النفسيّة التي سيحملها معه إلى الواقع الاجتماعيّ؛ فيُتوقع أن يطالب الدولة والمؤسّسة التي ينتمي إليها بأن يكون شريكًا في صناعة الرأي، وأن لا تُهمّش وجهة نظره، أو بالحدّ الأدنى ستكون قوّة الاعتراض والنقاش والجدل للرأي حاضرة في كافّة القرارات والقضايا.

وقـــد أدّت التعـــدديّة الثقافــــيّة، والديموقراطيّة، وانفتاح الخيارات، والحرّيّة والمساواة، والتحرّر من السلطة والرقابة على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وغير ذلك إلى تحوّل إيديولوجيّ لدى الجيل الرقميّ، حيث غلبت عليه خيارات فكريّة ذات توجّهات ليبراليّة، وأصبح يؤمن أكثر من أيّ وقت مضى بمبدأ الحريّة الفرديّة، وحرّيّة التعبير، وحرّيّة الاختيار، والأهم تعدّد الطروحات. كما أنّه لم يعد يحتمل أُحاديّة الطرح والفكر المنغلق.

 

الآثار الاجتماعيّة لوسائل التواصل:

أدخلت وسائل التواصل الاجتماعيّ الفرد الرقميّ في حالة من الذاتيّة والعزلة الاجتماعيّة، والتي تعتبر من إفرازات الفردانيّة، ما أدّى إلى إضعاف النسيج الاجتماعيّ الواقعيّ، وتداعي البنية التحتيّة الاجتماعيّة التقليديّة، وتناقص عضويّة المؤسّسات التقليديّة في المجتمع العصريّ، فبدأ نطاق التشبيك الاجتماعيّ عبر الاتصال المباشر يضيق شيئًا فشيئًا في كلّ المجتمعات العربيّة، في مقابل اتساع نطاق التشبيك الاجتماعيّ الافتراضيّ، ولم يعد الناس يتواصلون فيزيقيًّا، ولم يعودوا يتزاورون كما كانوا يفعلون من قبل، فقد أغنتهم الرسائل النصيّة القصيرة، ورسائل البريد الإلكترونيّ، والبطاقات الإلكترونيّة، وما يكتبونه ويتبادلونه على الفيسبوك، والتويتر، والواتس آب عن العلاقات الاجتماعيّة الفيزيقيّة. ومن هنا لم تعدّ صورة الأسرة أو العائلة هي تلك التي تعيش في بيتٍ واحد بعد أن انهمك كلّ فرد من أفرادها بعالمه الافتراضيّ الخاصّ، فثمّة حضور مغيّب في التجمّعات العائليّة، حيث توجد الأجساد في المكان نفسه، بينما تظلّ العقول والعيون منشغلة بالهواتف الذكيّة. وتحوّلت وسائل التواصل الاجتماعيّ إلى منصّات تنشئة اجتماعيّة، لا تُبنى محتوياتها وفقًا لمقتضيات بناء المجتمع الواحد، والحفاظ على تماسكه عبر توارث قيم دينيّة، وثقافيّة، واجتماعيّة، وفكريّة مُتجانسة. فالفرد الإنترنتيّ لا يكون مُنطلقه المعرفيّ والاجتماعيّ والثقافيّ مجتمع الانتماء الحقيقيّ الذي يحتضنه فقط، بل الجماعة الافتراضيّة التي يتأثّر بها عبر مختلف أشكال الزخم الفكريّ والأيديولوجيّ المتداول على منصّات التواصل.

كما برزت مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعيّ مشكلة تقمّص الشخصيّات الافتراضيّة من حيث السنّ والأنوثة والذكورة والدور الاجتماعيّ، فأصبح الفرد الإنترنتيّ قادرًا على خلق هويّة افتراضيّة، وهي عبارة عن الشخصيّة التي يتمّ إنشاؤها من طرفه، لتكون صلة وصل بينه وبين باقي المستخدمين. وبعبارة أخرى: الهويّة الافتراضيّة هي السمات والمواصفات التي يقدّمها الفرد الطبيعيّ للآخرين عن نفسه عبر الإنترنت، ويتفاعل معهم ويتفاعلون معه من خلالها. ولهذا، تعتبر مجتمعات العالم الافتراضيّ فضاءات رحبة للتمرّد على الخجل والانطواء، مرورًا بالتمرّد على الأخلاق العامّة، واللياقات الاجتماعيّة، وانتهاءً بالثورة على الأنظمة السياسيّة.

 

الخاتمة:

ونحن نعيش -اليوم- في عمق هذه الفجوة الثقافيّة والاجتماعيّة التي سبّبها التطوّر التكنولوجيّ، يتحتّم على مجتمعنا الإيمانيّ، وعلى جميع المؤسّسات الثقافيّة، والتربويّة، والاجتماعيّة إعادة تنظيم المجتمع بما ينسجم مع المنظومة العقديّة، والقيميّة، والتشريعيّة الدينيّة، وبما يسهم في المشاركة على هذه الوسائل بنحوٍ يحافظ فيه الناشط على الضوابط القيميّة والشرعيّة، ويجعل هذه الوسائل منصّات لتحقيق الأهداف الرساليّة أو لا أقلّ الحدّ من المؤثّرات السلبيّة لهذه البيئة الجديدة.

 

والحمدلله ربِّ العالمين

أضيف بتاريخ: 02/05/2024