مقالات داخليّة

الأسرة بين هاتفٍ ذكيّ وتواصلٍ وهميّ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ما إنْ يُطرح موضوع الهاتف الذكي بما أحدثه من ثورة على مستوى الاتّصال والتواصل بين البشر، حتى تذهب الكتابات والقناعات حوله إلى ما يُمكن وصفه بأنّه قد أسهم في تقريب البعيد وإبعاد القريب، سيّما، بين أفراد الأُسرة. وما إنْ يتم استحضاره ذهنيا،ً حتى تتبدَّى تلك الصورة النمطيَّة الآخذة بالتوسّع وسرعة الانتشار عن حال الأسرة، وقد اجتمع أفرادها في جلسة عائليَّة يفترض أن تكون أكثر دفئًا، بينما في الحقيقة، يغرق كلّ منهم في اتّصالٍ مع البعيد وإن كان افتراضيًا، وينقطع عن القريب رغم أنّه أقرب واقعيًا.

 

يُشرّع هذا السلوك الاجتماعي المثير للاستغراب بابًا أمام طرحِ سؤالٍ موضوعيّ حول السبب الأساس الذي جعل من هذا الجهاز ينضم بقوّة إلى قائمة العوامل المؤثّرة في هذا الشكل من التباعد الأسريّ: هل ذكاء الهاتف وما يُتيحه من دهاءٍ يدفع أفراد هذه الأسر نحو هذا المستوى من التشتّت والتباعُد، أم أنً تشتّتهم وتباعُدهم و من يجعل هذا الهاتف على هذا القدر من الذكاء والدهاء؟

يُطرح ذلك في ظلّ ظواهر مُقلقة وخطيرة - كمًا ونوعًا- تجتاح مجتمعاتنا، والتي ترافقت مع اجتياح هذا الوافد الجديد واستقراره في صلب حياتنا، حيث صرنا نقتنيه بوصفه دالًّا على مواكبتنا للحداثة، فنُنفق من أجله الكثير من مواردنا، وقد جعلناه بمثابة خبزنا اليومي الذي يمدنا بالحياة، حتى لو تطلّب ذلك منّا الاقتصاد والتقشف في احتياجتنا الأساسيّة لصالحه، فتوّجناه قائمتها وأولوياتها.

 

الأصل في سهولة الاتّصال بين البشر أن يجعل حياتهم أجمل، ومعرفتهم أفضل، ووعيهم لما يجري حولهم أوضح، بينما يُشار إلى الهاتف الذكي بأنّه صار سببًا أساسيًّا من أسباب التفكك الأسري، والطلاق العاطفي، وتفشي ظواهر الخيانة الزوجية، وأشكال الشذوذ الاجتماعية، وانكشاف الخصوصيّة الأسرية، ومجالًا للاستغلال المادي، الجنسي، وحتى الأمني، إلى جانب ما يُحدثه على المستوى النفسي، من رغبة بالعزلة، والشعور الدائم بالقلق والتوتر والعنف وغيرها.

إنّ الداخل إلى منصّات البحث في مجالات الكتابات العلميَّة والتربويَّة سيجد أمامه كمًّا من المعطيات التي تشير إلى حجم التداعيات التي يُحدثها الهاتف الذكي على حياة الأسرة، في الشرق كما في الغرب، دونما أي تفريق بينهما، ويُلاحظ ما يُمكن وصفه بالإجماع على الحقيقة، بأنّ حجم التأثيرات يرتبط بمقدار الوعي الذي يملكه المُستخدم لهذه الوسيلة المتطورة.

 

صحيح أنّ هذا الهاتف لديه قابليَّات تُسهم في صنع التهديد عبر هذه الظواهر المُقلقة والخطيرة، ولكن ذلك لا يُلغي أيضًا أنّ فيه الفرص لتطوّر العلاقات الاجتماعيَّة والحياة، وهذا ما يعني، بأن شأنه شأن أغلب الوسائل المتطوّرة التي شهدتها البشريَّة، فلمّا استعملها البعض بوعي كانت خيرًا لهم وللآخرين، بينما حين ضَعف هذا الوعي برزت تلك الشرور.

وهنا، بات من الضرورة المكاشفة والمصارحة حول حقيقة الاستخدام غير الواعي للهاتف الذكي داخل الحياة الأسريَّة، ألا يُشبه إلى حد بعيد حال ذلك المدمن على المخدرات وقد صارت وسيلته للهروب من الواقع نحو عالمٍ افتراضي وإن كان يعرف بأنّ فيه الكثير من الأوهام، والآلام. والسؤال الذي يجدر التوقف عنده هو عن محفزات هذا الإدمان وعن دوافع الهروب من الواقع الأسري؟ وهذا ما يفتح على العديد من الإجابات الآتية بوصفها تستند على معطيات وليست تكهنات:

 

أوَّلًا: من المؤسف القول بأنّ الأهل هم ممّن أسّسوا لعلاقة غير واعية مع الهاتف الذكي، عندما تساهلوا مع أطفالهم بوعيهم المحدود لاقناءهم المبكّر له رغم علمهم أنّه صندوق حافل بما هو خير وما هو شر، ظنًّا منهم أنّهم بذلك يستجيبون لحاجة اجتماعيّة وتربوية لدى أطفالهم في هذا الزمن، قد كرّستها الميديا بنظريَّات واهية ألبستها لبوسًا علميًا، بينما همّها الأوّل هو الترويج للاستهلاك. والذي زاد من الأمر خطورة، عندما استقال الأهل من رقابتهم على كيفيَّة استخدام أطفالهم لهذا الهاتف.

 

ثانيًا: أسهم الأهل في انجذاب الأبناء نحو البعيد عن القريب، فما هو حال الأبناء عندما يجدون أهلهم غارقون عبر هذا الهاتف في علاقة مع البعيد، وقد صاروا يتجنّبون مجالستهم، والحوار معهم، والأنس بهم، أو، عندما يجدون بأنّ المنزل وقد صار ساحة للصراع والتوتر وليس للأُلفة والمودة، فالرغبة بالعُزلة عن القريب، هي واحدة من ثمار فهمهم الخاطئ لحقيقة الحياة الأسريّة السليمة. لقد بات الهاتف مصيدة لأفراد هذه الأسر وقد وجدوا فيه من يملأُ فراغهم ويؤنس وحشتهم.

 

ثالثًا: غريب هذا التحوّل في الرغبة بالكشف عن خصوصيَّات الأسرة، لقد كان من المعيب وضع الصور المعبرة عنها في الغرف المخصّصة لاستقبال الضيوف في المنزل، على الرغم من محدودية الزائرين المعروفين، كيف وقد صار أفرادها- الأهل والأبناء- يتباهون في نشر خصوصيَّاتهم على منصّات التواصل الاجتماعيّ على الرغم من كثافة الزائرين المجهولين. إنّ هذا السلوك الخطير يفتك بشبكة الأمان الأسري، حيث تتلاشى الغيرة والحشمة والكرامة والعفة، ويبقى من يسأل عن ازدياد الخيانة الزوجيَّة، وتراجع معدلات الحياء، أضف إلى ما يُنتجه هذا من حالات الاستغلال الجنسي والمادي للزوج والزوجة والأبناء دون استثناء.

 

رابعًا: تؤكد الدراسات بأن ما يقدّمه الهاتف الذكي من استجابة مغرية لحاجات لدى أفراد الأسرة، وإن كانت غير واقعيَّة، وهذا من شأنه أن يقلّل رغبتهم في الاندفاع لإصلاح واقعهم، فالزوج أو الزوجة بدل من أن يواجها التحديات وخلافاتهم الأسريَّة لإصلاحها، وكذلك الأبناء، فقد ذهبوا إلى هذا العالم الافتراضي هربًا، ممّا عمّق هذه الخلافات وأدى إلى التفكك أو التباعد ما بينهم.

 

خامسًا: لقد غيّرت الهواتف الذكية من ثابت أساسي في الروابط الأُسريَّة، الصلة بين الأرحام، فالتزاور بينهم بات يُستعاض عنه برسالة عبر الهاتف، وحتى الاتصال الهاتفي قد تراجع لصالح التسجيل الصوتي أو الرسالة المكتوبة، وذلك خلال أشدّ الظروف حاجة للتزاور، عيادة المريض أو للمواساة بعزيز. ويصير من الطبيعي أن يتطوّر هذا المنحى السلبي من العلاقة نحو انقطاع كاملٍ لها، مع ما يعكسه ذلك من فقدان التضامن الاجتماعي عامة، والأسري على وجه التحديد، ولهذا، يُلاحظ كم نتّجه نحو استنساخ واقع المجتمعات الغربيَّة وما تعانيه على مستوى الفرديَّة المُفرطة والعزلة الاجتماعيَّة.

 

سادسًا: إنّ الوظيفة الأساس للأسرة هي إنتاج إنسان سويّ، مُشبع بالقيم الإنسانية العليا التي تُمكّنه من شراكة إيجابيَّة في الحياة، وهذا لا يتم إلّا عبر التنشئة الاجتماعيَّة الصحيحة التي تُعدّ الوظيفة الأساسيَّة للأسرة في بناء مدماك شخصيَّة الفرد فيها. وحين تتغافل الأسرة عن تأدية هذه الوظيفة بأدوارها المتعدّدة فإنّ من الطبيعي أن يتّجه الفرد فيها لتلبية هذه الحاجة الطبيعيَّة عن طريق الآخرين، فكيف وأنّ هذا الهاتف الذكي المعروف بعالميته في التسويق بجاذبيَّة لقيم غربية شاذة، وقد بات بالنسبة لأفراد الأسر في مجتمعاتنا هو الأقرب بالنسبة إليهم، حينها يصير حتمًا عدم الاستغراب لما يُسجَّل عندنا من انحدار قيميّ، حيث يلاحظ مستوى التراجع في الانتماء الأسري والوطني والقومي والديني.

 

وأخيرًا، وفيما ذكرناه يُعدّ بعضًا من الأسباب التي أدّت إلى هذا الانسياق الأعمى غير الواعي في تعامل مجتمعاتنا مع هذا التطور الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن ما يمكن قوله بموضوعيّة، يجب عدم إغفال ما تمارسه الجهات المعنيّة بصناعة الوعي في مجتمعاتنا من تكاسل وضعف غير مبرّرين في الكشف عن تجارب المجتمعات الغربيّة التي سبقتنا في استخدام هذه الوسائل وما تُحدثه من تدمير هائل على مستوى حياتهم الأسريَّة وتماسكها، سيّما، وأنّ دراساتهم العلميَّة باتت تساعدنا على ذلك، حين تُجاهر بأنّ انهيار الغرب وموته يرتبط بشكل وثيق بانهيار الأسرة عندهم، وأنَّ الاستخدام الغبي لهذا الهاتف الذكي هو في مقدّمة المعاول التي راحت تضرب بعنفٍ ناعم لركائز الأسرة عندهم.

هي دعوة في أسبوع الأسرة لفضح هذا النموذج الغربي المقتحم لوعينا، وبذلك، يُمكننا القول إنَّنا بدأنا نؤسس لبناء مجتمع قادر على أن يتعامل بوعي، سيما الشباب منهم، في مسارهم التطوري بمواكبة الحداثة التي لا تنال مما تختزنه ثقافتهم من أصالة رائدة.

 

والحمدلله ربِّ العالمين

 

 

 

 

أضيف بتاريخ: 05/06/2024